يشكّل التأمين الشامل أحد الركائز الأساسية لتحقيق الشمول المالي وتعزيز الاستقرار المجتمعي والتنمية المستدامة، إذ يُمكّن الأفراد والأسر من اتخاذ قرارات مالية مدروسة والاستثمار بثقة في المستقبل، وهو ما يجعله أداة رئيسية لإدارة المخاطر ودعم النمو الاقتصادي الشامل.
ففي ظل ما يشهده العالم من أحداث قاسية ومتكررة مثل الكوارث الطبيعية والتقلبات الاقتصادية، تتأثر الفئات ذات الدخل المحدود والمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر بشكل خاص، حيث تفتقر هذه الفئات إلى الموارد الكافية للتعافي من الأزمات، ما يجعل التأمين الشامل ضرورة وليس رفاهية.
وتُظهر الإحصاءات أن نحو 4 مليارات شخص حول العالم يمكن أن يستفيدوا من منتجات التأمين الشامل، إلا أن الوصول إليهم ما زال تحديًا أمام النماذج التقليدية للتأمين، مما يترك شريحة واسعة من السكان بلا حماية مالية كافية.
التأمين الشامل ودوره في تحقيق العدالة الاجتماعية
لا يقتصر دور التأمين على تعويض الخسائر بعد وقوع الأزمات، بل يتعداه إلى تمكين الأفراد من تحمل المخاطر والسعي نحو فرص جديدة للنمو الاقتصادي. كما يسهم في تعزيز العدالة الاجتماعية من خلال توفير حماية مالية للفئات الهشة التي غالبًا ما تكون خارج نطاق الخدمات التأمينية التقليدية.
وقد لخّص رجل الصناعة الأمريكي هنري فورد هذا الدور الحيوي بقوله:
“العالم بأسره يعتمد على التأمين، فلولاه لاحتفظ كل شخص بأمواله دون استثمارها خوفاً من خسارتها، وتراجعت الحضارة إلى ما بعد العصر الحجري بقليل.”
مفهوم التأمين الشامل
وفقًا لكتاب المخاطر الصادر عن الرابطة الدولية للاكتواريين (IAA Risk Book)، يُعرّف التأمين الشامل بأنه “منتجات تأمينية وادخارية متاحة للبالغين من خلال مقدمي خدمات رسميين بطريقة ميسرة ومسؤولة وبتكلفة يمكن تحملها، مع ضمان استدامة مقدّم الخدمة”.
ويشمل هذا المفهوم جميع المنتجات الموجهة للأسواق غير المخدومة أو ضعيفة الخدمات سواء في الدول النامية أو حتى المتقدمة، إذ توجد شرائح اقتصادية تحتاج إلى هذه الحماية مثل العمالة غير الرسمية وأصحاب الدخل المحدود. ويُعتبر التأمين متناهي الصغر (Microinsurance) أحد أبرز أشكال التأمين الشامل.
الفروق بين التأمين الشامل والتقليدي
تقوم صناعة التأمين على ثلاثة أدوار رئيسية: شريك التوزيع، وشركة التأمين (حامل الخطر)، ومقدّم الخدمات الفنية (TSP).
ويتميّز التأمين الشامل بمرونته العالية، إذ يعتمد على شراكات متنوعة تشمل أطرافًا من خارج الصناعة مثل شركات الاتصالات لتسهيل الوصول إلى العملاء غير المخدومين.
كما يبرز دور مقدمي الخدمات الفنية في دعم هذه المنظومة من خلال الخبرة في التحليل الاكتواري والتقنيات الرقمية وتصميم المنتجات التي تلبي احتياجات الشرائح المستهدفة.
سوق التأمين الشامل في الدول النامية
تشير بيانات شبكة التأمين متناهي الصغر (MIN) في تقريرها لعام 2024 إلى أن عدد المستفيدين من منتجات التأمين متناهي الصغر بلغ 344 مليون شخص في 37 دولة، بإجمالي أقساط مكتتبة قدرها 6.2 مليار دولار أمريكي، مقارنة بـ 331 مليون شخص و5.8 مليار دولار في عام 2023.
ورغم النمو، تبقى هذه الأرقام محدودة بالنظر إلى الإمكانات السوقية الكبيرة، مما يستدعي تعاونًا حكوميًا ومؤسسيًا لتوسيع نطاق الحماية التأمينية.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتأمين الشامل
في قطاع الزراعة مثلًا، يساهم التأمين في تمكين المزارعين من الحصول على تمويل أكبر والاستثمار في مدخلات إنتاج محسّنة واختيار محاصيل ذات عائد أعلى، ما يؤدي إلى زيادة الإنتاجية والدخل والمدخرات وتعزيز الأمن الغذائي.
كما يلعب التأمين الصحي الشامل دورًا محوريًا في تحسين الوصول إلى الرعاية الصحية وتقليل الأعباء المالية، بما ينعكس على تحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، خصوصًا:
-
الهدف الأول: القضاء على الفقر
-
الهدف الثاني: القضاء على الجوع
-
الهدف الثالث: الصحة الجيدة والرفاه
-
الهدف الثامن: العمل اللائق والنمو الاقتصادي
-
الهدف الثالث عشر: العمل المناخي
رؤية الاتحاد المصري للتأمين
يؤكد الاتحاد المصري للتأمين أن تحقيق الشمول التأميني وإغلاق الفجوة التأمينية يمثلان أولوية استراتيجية لتطوير سوق التأمين المصري ودعم دوره في تحقيق النمو الاقتصادي والاجتماعي.
ويعمل الاتحاد بالتعاون مع الهيئة العامة للرقابة المالية على رفع الوعي التأميني، وتطوير منتجات مبتكرة للفئات غير المخدومة مثل العمالة غير الرسمية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والمرأة والشباب، إضافة إلى تبسيط الإجراءات وتعزيز التحول الرقمي.
كما يرى الاتحاد أن تحقيق التأمين الشامل يتطلب نهجًا تكامليًا يجمع بين التوعية، الابتكار، والشراكات بين القطاعين العام والخاص، بما يسهم في بناء سوق تأميني أكثر شمولًا وكفاءة يعزز الاستقرار المالي والاجتماعي ويساعد على تحقيق التنمية المستدامة في مصر.





































