لم تعد الشائعة مجرد معلومة عابرة تظهر على شاشة الهاتف ثم تختفي، فقد تبدأ بفيديو قصير أو منشور مجهول المصدر، لكن التفاعل معها قد يفتح الباب أمام سلسلة متتابعة من المحتوى المشابه، وربما الأكثر حدة، حتى يجد المستخدم نفسه داخل دائرة معلوماتية ضيقة تؤكد أفكاره وتقلل من ظهور الآراء المخالفة.
هل تقود خوارزميات السوشيال ميديا المستخدم من الشائعة إلى التطرف.
مع تزايد الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الجدل يدور فقط حول صحة المعلومات المنتشرة، وإنما أصبح يمتد إلى الطريقة التي تختار بها المنصات المحتوى الذي يظهر أمام كل مستخدم، فأنظمة التوصية تعتمد على تحليل سلوك المستخدم، مثل المشاهدة والبحث والإعجاب والمشاركة والتعليق، إلى جانب اختيار المحتوى الذي لا يرغب في رؤيته.
وهذه الأنظمة لا تتخذ عادة قرارًا مباشرًا بأن مستخدمًا معينًا يجب أن يشاهد محتوى متطرفًا، لكنها تتعلم من سلوكه، فإذا أظهر اهتمامًا متكررًا بنوع محدد من المحتوى، فقد تزداد احتمالية ظهور محتوى مشابه له ضمن توصياته.
الخوارزمية تتعلم من المستخدم ثم تعيد توجيه اختياراته.
تبدأ العلاقة عادة من المستخدم نفسه، فهو الذي يختار الفيديو الذي يشاهده، والموضوع الذي يبحث عنه، والمنشور الذي يتفاعل معه، لكن هذه الاختيارات تتحول إلى بيانات تستخدمها المنصة في توقع المحتوى الذي قد يثير اهتمامه لاحقًا.
ومع استمرار التفاعل، تتشكل حلقة تغذية راجعة، المستخدم يؤثر في الخوارزمية من خلال سلوكه، والخوارزمية تؤثر بدورها في المحتوى الذي يراه المستخدم، والمحتوى الجديد قد يدفعه إلى مزيد من التفاعل، لتعود البيانات مرة أخرى إلى نظام التوصية.

كيف تنتقل الشائعة إلى محتوى أكثر حدة.
لا يوجد مسار حتمي يجعل كل شخص يشاهد شائعة يصل في النهاية إلى التطرف، لكن الخطر قد يظهر عندما تتكرر سلسلة من التفاعلات تبدأ بمحتوى مثير للاهتمام، ثم محتوى مشابه، ثم مواد أكثر تخصصًا أو حدة، وصولًا في بعض الحالات إلى مجتمعات رقمية تتبنى الرواية نفسها وتعيد إنتاجها باستمرار.
وتشير أبحاث تناولت أنظمة التوصية إلى أن تأثير الخوارزميات يختلف من منصة إلى أخرى، كما يتأثر بسلوك المستخدم وطبيعة المحتوى ونظام الترتيب المستخدم، ولذلك لا يمكن التعامل مع جميع منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها تعمل بالطريقة نفسها.
المحتوى الأكثر إثارة قد يحصل على انتشار أكبر.
المشكلة لا ترتبط فقط بالمحتوى المتطرف، وإنما أيضًا بالمحتوى القادر على جذب الانتباه وتحفيز التفاعل، فالمواد التي تثير الغضب أو الخوف أو الصدمة أو الاستفزاز قد تدفع المستخدم إلى التعليق والمشاركة ومواصلة المشاهدة لفترة أطول.
وعندما تعتمد أنظمة التوصية بدرجة كبيرة على مؤشرات التفاعل، فإن المحتوى الذي يحقق معدلات مرتفعة من المشاهدة والمشاركة قد يحصل على فرصة أكبر للظهور أمام مستخدمين آخرين، حتى إذا لم يكن الأكثر دقة أو موثوقية.
هل الخوارزمية تصنع التطرف وحدها.
الإجابة الأكثر دقة هي لا، فالأبحاث لا تدعم فكرة وجود طريق حتمي يبدأ بشائعة وينتهي بالتطرف لدى جميع المستخدمين، كما أن بعض الدراسات وجدت أن التوصيات قد تصبح أكثر توافقًا مع الميول السياسية للمستخدم دون أن تؤدي بالضرورة إلى زيادة كبيرة في التطرف الأيديولوجي.
وهذا يعني أن اختزال المشكلة في عبارة الخوارزمية تصنع المتطرف لا يعكس الصورة الكاملة، فأنظمة التوصية يمكن أن تضخم بعض الاتجاهات الموجودة لدى المستخدم، وتزيد تعرضه للمحتوى المتوافق مع اهتماماته، وقد تسهل في ظروف معينة الوصول إلى محتوى أكثر تطرفًا أو إشكالية، لكن النتيجة تختلف وفقًا للمنصة والمستخدم ونوع المحتوى وتصميم نظام التوصية.
غرف الصدى تزيد من صعوبة رؤية الصورة الكاملة.
عندما يتعرض المستخدم بصورة متكررة لمحتوى يؤكد أفكاره، بينما تقل أمامه الآراء المخالفة، يمكن أن تتشكل ما يعرف بغرف الصدى، وهي بيئة معلوماتية يجد فيها الشخص آراء متشابهة تعزز قناعاته باستمرار.
ومع مرور الوقت، قد يتحول الأمر من مجرد تصديق معلومة غير دقيقة إلى رفض أي مصدر يقدم رواية مختلفة، وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن المشكلة لم تعد مرتبطة بمعلومة واحدة، وإنما بطريقة كاملة في استهلاك المعلومات وفهم الواقع.
من الشائعة إلى التطرف.. الخطر في السلسلة وليس في المنشور وحده.
قد تبدأ الرحلة بمنشور مثير للجدل، ثم ينتقل المستخدم إلى فيديو آخر يكرر الادعاء نفسه، وبعده محتوى يقدم تفسيرًا أكثر حدة، ثم يجد نفسه داخل مجموعة أو حسابات تشترك في الرواية ذاتها، ومع استمرار التفاعل تصبح هذه المواد جزءًا أكبر من البيئة المعلوماتية التي يتعرض لها.
لكن هذه العملية ليست آلية ولا حتمية، فالمستخدم يظل طرفًا أساسيًا في المعادلة، كما أن طبيعة المنصة ونظام التوصية يلعبان دورًا مهمًا في تحديد ما يظهر أمامه.
الوعي الرقمي هو خط الدفاع الأول أمام التضليل.
في النهاية، لا يمكن تحميل الخوارزميات وحدها مسؤولية انتشار الشائعات أو الاستقطاب، كما لا يمكن اعتبار المستخدم مسؤولًا وحده عن كل ما يظهر أمامه، فالمشكلة ناتجة عن تفاعل مستمر بين سلوك الإنسان وتصميم المنصة وطبيعة المحتوى.
ولهذا يصبح التعامل النقدي مع المعلومات ضرورة أساسية، خاصة قبل مشاركة الأخبار أو إعادة نشر المقاطع المثيرة للجدل، لأن التفاعل مع المحتوى لا يعبر فقط عن رأي المستخدم، بل يمكن أن يصبح أيضًا إشارة تستخدمها الخوارزمية لتحديد المحتوى الذي ستقترحه عليه لاحقًا.

































